«أنا الحكومة».. كواليس سقوط إمبراطورية «عزت حنفي» في «النخيلة» وشفرة الاستعانة بـ«المسجلين» وضربه بالهون



عزت حنفي في محبسه أثناء محاكمته

لم يكن عزت حنفي مجرد خارج عن القانون، بل كان مجرمًا بالوراثة والجيل الرابع في أسرته الإجرامية، امتلك من الجرأة والحس الأمني ما جعله يقود إمبراطوريته عقب حبس والده في قضية قتل. 

والغريب أن حلمه الأكبر كان الالتحاق بكلية الشرطة، وهو الشغف الذي رافقه حتى لحظاته الأخيرة؛ حيث عُثر بين أغراضه بعد فتشتها النيابة على صور للكلية وكتابات تُجسد حلمه القديم قبل أن يتحول إلى أكبر مروع للصعيد.

عزت حنفي المجرم بالوراثة الذي حلم بـ«كلية الشرطة».. كيف بنى «سلطان الإجرام» قلعته الخرسانية فوق النيل؟

استغل عزت حنفي جغرافية قرية «النخيلة» الحصينة بمركز أبوتيج بأسيوط، الممتدة وسط النيل وصعوبة وصول سيارات الشرطة إليها إلا عبر المعديات والقوارب. 

عزت حنفي - صورة شخصية


ولم يكتفِ بجمع الهاربين من أحكام جنائية وتزويدهم بالأسلحة، بل طوّر إدارة مالية وتجارية لزراعات المخدرات كالخشخاش والأفيون والبانجو على مساحات شاسعة تجاوزت 500 فدان.

 واستولى بالقوة على أراضي الأهالي، وحوّل المنطقة لمركز توزيع رئيسي للوجه القبلي، مع تشييد أبراج مراقبة خرسانية بارتفاع 5 أمتار لكشف النيل، وزودها بترسانة أسلحة شملت البنادق الآلية والمدافع الجرينوف المتعددة وحتى مدفعية الهون.

«تحالف مع الشيطان» للنزول لمزارع القصب.. شفرة الاستعانة بالمسجلين لمواجهة إرهاب التسعينات

تكشف شهادات وقائع تلك الفترة كواليس الاستراتيجية الأمنية خلال التسعينات أثناء أوج مواجهة الإرهاب بالصعيد؛ فمع خطورة الملاحقات داخل مزارع القصب وشراسة الجماعات التكفيرية التي كبدت الشرطة خسائر كبيرة، اعتمدت الأجهزة الأمنية على قاعدة «التحالف مع الشيطان للانتصار على العدوين»، عبر الاستعانة ببعض المسجلين جنائيًا لإسقاط العناصر الإرهابية في أكمنة محكمة.

عزت حنفي داخل محبسه أثناء محاكمته - صورة له في شبابه

هذه المعادلة الميدانية استغلها عزت حنفي؛ حيث توهم أن مساعدته للدولة تمنحه غطاءً أو نفوذًا دائمًا، فتوسع في سلب الأراضي الخاصة والمملوكة للدولة، وتوحش في تجارة السلاح والمخدرات، حتى وصل به غروره إلى تطبيق مقولة الفيلم الشهيرة «مفيش حكومة.. أنا الحكومة»، ما استوجب إنهاء هذا التغول الإجرامي فورًا بمجرد تجاوز الخطوط الحمراء، بعد تورط عصابته في سقوط عشرات القتلى والجرحى وقطع طريق السكك الحديدية واحتجاز المواطنين.

برمائيات القوات المسلحة تدك الأبراج بالـ RPG.. وحبل المشنقة ينهي الأسطورة بـ«برج العرب»

بلغ التحدي ذروته عقب تهديدات عزت حنفي باستهداف الصحفيين ومراسلي الأنباء الأجانب، ليصدر القرار الحاسم باستئصال وكر الإجرام. ولأول مرة، تم تزويد قوات وزارة الداخلية بمعدات وعربات مدرعة وحاملات جنود وبرمائيات عسكرية تابعة للقوات المسلحة للعبور إلى الجزيرة.

 ومع فجر 23 فبراير 2004، تحركت القوات البرية والمسطحات المائية بمشاركة قوات الأمن المركزي والعمليات الخاصة وبإشراف مباشر من قيادات وزارة الداخلية ومحافظ أسيوط.

عزت حنفي في المستشفى بعد القبض عليه

ورغم محاولة عزت حنفي استخدام الأهالي كدروع بشرية واحتجاز نحو 70 رهينة، وتفجير أسطوانات الغاز لإيهامهم بقصف الشرطة، تمكّن قناصة الشرطة من تحييد العناصر الخطرة،

 ودكت القوات الأبراج الخرسانية بالـ RPG والهون. ومع إحكام الحصار بعد نحو 15 يومًا، تناول عزت حنفي السم قاصدًا الانتحار لتجنب الأسر، وحاولت خادمة تهريبه على دابة، إلا أن إطلاق النار أدى إلى سقوطه ونقله مصابًا إلى المستشفى لتتم معالجته وضبطه مع 77 من أفراد عصابته.

عزت حنفي داخل محبسه أثناء محاكمته

أسفرت حملة التطهير عن ضبط ترسانة مذهلة شملت 136 بندقية آلية، و4 رشاشات جرينوف، و10 أطنان بانجو مخبأة تحت الأرض، وتمثالين أثريين، إلى جانب مئات الأسلحة الصغيرة والخمور. 

وعقب محاكمة ماراثونية أمام محكمة أمن الدولة العليا طوارئ، صُدر الحكم بـ الإعدام شنقًا بحق عزت حنفي وشقيقه حمدان (حمدي)، وتم تنفيذ الحكم صباح يوم 18 يونيو 2006 داخل سجن برج العرب بالإسكندرية، ونُقل جثمانهما ليدفنا في مسقط رأسهما بالنخيلة وسط حراسة أمنية مشددة، لتُطوى بذلك صفحة أسطورة «سلطان الإجرام» نهائيًا.

جزيرة النخيلة في أبوتيج مسرح أحداث سقوط عزت حنفي

جزيرة النخيلة مسرح أحداث سقوط عزت حنفي

جزيرة النخيلة في أبوتيج مسرح أحداث سقوط عزت حنفي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق